Posted by: alvianiqbal | February 21, 2009

التأويل قسمان: تأويل إجمالي وتأويل تفصيلي

قال الإمام الترمذي بعد ذكر حديث النزول من رواية أبي هريرة رضي الله عنه: “وهو على العرش كما وصف به نفسه في كتابه”. كذا قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات.

قال علي القاري من كلام، والحاصل أن السلف والخلف مؤولون لإجماعهم على صرف اللفظ عن ظاهره، ولكن تأويل السلف إجمالي لتفويضهم إلى الله تعالى، وتأويل الخلف تفصيلي لاضطرارهم إليه لكثرة المبتدعين . . . الخ (إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل للإمام بدر الدين ابن جماعة، ص. 47)

(قال الشنقطي في تفسيره) والآية التي أوضح الله تعالى بها هذا هي قوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فنفى عن نفسه عز و جل مماثلة الحوادث بقوله ليس كمثله شيء وأثبت لنفسه صفات الكمال والجلال بقوله وهو السميع البصير فصرح في هذه الآية بنفي المماثلة مع الاتصاف بصفات الكمال والجلال. (إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل للإمام بدر الدين ابن جماعة، ص. 48)

ثم قال (ابن حزم): وأجمعت الأمة على أنه لا يدعو أحد فيقول يا مستوي ارحمني ولا يسمي ابنه عبد المستوي. (إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل للإمام بدر الدين ابن جماعة، ص. 51)

(قال الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي): وبعد أن اتفقوا على ذلك وهذا هو القدر الذي يجب أن يعتقده كل مسلم اختلفوا في موقفهم من تلك النصوص المتشابهة إلى مذهبين:

أولهما: تمسك به السلف المتقدمون.

وثانيهما: جنح إليه من بعدهم من المتأخرين من منتصف القرن الرابع.

فذهب السلف إلى عدم الخوض في تأويل وتفسير تفصيلي لهذه النصوص والاكتفاء بتنزيه الله تعالى عن كل نقص ومشابهة للحوادث. وسبيل ذلك التأويل الإجمالي لهذه النصوص وتحويل العلم التفصيلي بالمقصود منها إلى الله عز و جل.

أما ترك هذه النصوص على ظاهرها دون تأويل سواء كان إجماليا أو تفصيليا فهو غير جائز. وهو شيء لم يجنح إليه سلف ولا خلف.

كيف ولو فعلت ذلك لحملت عقلك معاني متناقضة في كثير من هذه الصفات. فقد أسند الله تعالى إلى نفسه العين بالإفراد في قوله: (ولتصنع على عيني) وأسند مرة إلى نفسه الأعين بالجمع فقال: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) فلو ذهبت تفسر كلا من الأيتين على ظاهرهما دون أي تأويل لألزمت القرآن الكريم بتناقض هو (تعالى) منه بريء.

وتقرأ قول الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) وقوله: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) فلو فسرت الآيتين على ظاهرهما دون أي تأويل إجمالي أو تفصيلي لألزمت كتاب الله تعالى بالتناقض الواضح، إذ كيف يكون مستويا على عرشه وبدون تأويل، ويكون في الوقت نفسه أقرب من حبل الوريد عرق في العنق بدون تأويل.

وتقرأ قوله تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور) وقوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) فإن فسرتهما على ظاهرهما أقحمت -أدخلت- التناقض أيضا في كتاب الله جل جلاله كما هو واضح.

ولكن حين تنزه الله تعالى حيال (مقابلة) جميع هذه الآيات عن مشابهة مخلوقة في أن يتحيز في مكان، وتكون له أبعاض وأعضاء وصورة وشكل، ثم تكل تفصيل المقصود بهذه النصوص إلى الله جل جلاله، تكون قد سلمت من التناقض في الفهم وسلمت القرآن من توهم أي تناقض فيه وهذه هي طريقة السلف رحمهم الله تعالى. ألا تراهم يقولون: “أمروها بلا كيف” إذ لولا أنهم يؤولونها تأويلا إجماليا بالمعنى الذي أوضحنا لما صح منهم أن يقولوا ذلك، إذ لماذا يمرونها بلا كيف ودلالة اللغة والصياغة العربية الواضحة تمنع كل لبس أو جهل سواء في أصل المعنى أو في كيفيته ولكنهم أيقنوا أن الكيفية ليست على ظاهر ما تدل عليه الصياغة العربية واللغة بسبب ما دلت عليه الآيات المحكمة الأخرى، وهذا تأويل إجمالي واضح إلا أنهم لم يقحموا أنفسهم في تفسير هذه النصوص بكيفيات أخرى يلتزمونها. وهذا هو التوقف عن التأويل التفصيلي فتأمل ذلك فإنه دقيق وهو الحق الذي لا ينبغي أن يلتبس عليه بغيره.

ومذهب الخلف الذين جاءوا من بعدهم هو تأويل هذه النصوص بما يضعها على صراط واحد من الوفاق مع النصوص المحكمة الأخرى التي تقطع بتنزيه الله تعالى عن الجهة والمكان والجارحة ففسروا الاستواء في الرحمن على العرش استوى بتسلط القوة والسلطان وهو معنى ثابت في اللغة معروف. وفسروا اليدين في الآية الأخرى (لما خلقت بيدي) (بل يداه مبسوطتان) بالقوة أو بالكرم. والعين في (ولتصنع على عيني) بالعناية والرعاية وفسروا الأصبعين في الحديث [إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن] بالإرادة والقدرة. وقالوا في حديث [إن الله خلق آدم على صورته] إن الضمير راجع إلى آدم عليه السلام لا إلى ذات الله تعالى أي إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام منذ اللحظة الأولى التي أوجده فيها على صورته وهيئته التي كان يتمتع بها فيما بعد. فلم يتطور من شكل إلى آخر.

ثم قال (الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي) إن مذهب السلف كان هو الأفضل في زمنهم. -فيقول حفظه الله تعالى- اعلم: أن مذهب السلف في عصرهم كان هو الأفضل والأسلم والأوفق للإيمان الفطري المرتكز في كل من العقل والقلب، ومذهب الخلف في عصرهم أصح وهو المصير الذي لا يمكن التحول عنه بسبب ما قام من المذاهب الفكرية والمناقشات العلمية وبسبب ظهور علوم البلاغة العربية مقعدة في قواعد من المجاز والتشبيه والاستعارة.

وهكذا كان بوسع الإمام مالك رحمه الله تعالى أن يقول في عصره لذلك الذي سأله عن معنى الإستواء في الآية الكيف غير معقول (مستحيل) والإستواء غير مجهول (معلوم كما ورد في القرآن) والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، إذ كان العصر عصر إيمان ويقين راسخين بسبب قرب العهد بعصر النبوة وامتداد الإشراق إليه، ولكن لم يكن للأئمة الذين كانوا في عصر التدوين وازدهار العلوم واتساع حلقات البحث وفنون البلاغة أن يسلموا ذلك التسليم دون أن يحللوا هذه النصوص على ضوء ما انتهوا إليه من فنون البلاغة والمجاز خصوصا أن فهم الزنادقة الذين لا يقنعهم منهج التسليم ويتظاهرون بالحاجة إلى الفهم التفصيلي وإن كانوا في حقيقة الأمر ليسوا كذلك.

والمهم أن تعلم أن كلا المذهبين متجهان في غاية واحدة لأن المآل فيهما إلى أن الله عز و جل لا يشبهه شيء من مخلوقاته وأنه منزه عن جميع صفات النقص. فالخلاف الذي نراه بينهما خلاف لفظي وشكلي فقط.

قال الشيخ الكوثري رحمه الله تعالى (الرحمن على العرش استوى) من أنكر أن الرحمن على العرش استوى فقد أنكر آية من الذكر الحكيم فيكفر. لكن الاستواء الثابت له سبحانه استواء يليق بجلاله على مراد الله وعلى مراد رسوله غير خوض في المعنى كما هو مسلك السلف منهم: ابن مهدي ومسلك الخلف الحمل على الملك ونحوه على مقتضى اللغة وليس في ذلك إنكار الآية فحاشاهم من ذلك. وأما حمله على الجلوس والاستقرار فهو الزيغ المبين.

وقال الشيخ علاء الدين بن عابدين رحمهما الله تعالى فإن السلف كانوا يؤمنون بجميع ذلك على المعنى الذي اراده الله تعالى وأراده رسوله غير أن تطالبهم أنفسهم بفهم حقيقة شيء من ذلك حتى يطلعهم الله تعالى عليه

وأما الخلف فلما ظهرت البدع والضلالات ارتكبوا تأويل ذلك وصرفه عن ظاهره مخافة الكفر فاختاروا بدعة التأويل يعني التوسع فيه على كفر الحمل على الظاهر الموهم للتجسيم والتشبيه وقالوا استوى بمعنى استولى أو بمعنى استوى عنده خلق العرش وخلق البعوضة أو استوى علمه بما في العرش وغيره واليد بمعنى القدرة والنزول بمعنى نزول الرحمة

فمن يجد من نفسه قدرة على صنيع السلف فليمش على سننهم وإلا فليتبع الخلف وليحترز من المهالك.

قال (الإمام الكمال بن الهمام رحمه الله تعالى) الأصل أنه على العرش استوى، (قال العلامة قاسم) في شرحه مع الحكم بأنه ليس كاستواء الأجسام على الأجسام من التمكن والمماسة والمحاذاة بل بمعنى يليق به سبحانه هو سبحانه أعلم به. وحاصله وجوب الإيمان بأنه استوى على العرش مع نفي التشبيه.

فأما كون المراد أنه استيلاؤه على العرش فأمر جائز….

فإن اليد وكذا الأصبع وغيره كالنزول صفة له تعالى لا بمعنى الجارحة بل على وجه يليق به وهو سبحانه أعلم به وقد يؤول اليد والأصبع عند الحاجة بالقدرة والقهر واليمين. (إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل للإمام بدر الدين ابن جماعة، ص. 57-58)

وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في مقدمة المجموع شرح المهذب بعد أن ذكر السلف والخلف.

وهذه طريقة السلف أو جماهيرهم وهي أسلم إذ لا يطالب الإنسان بالخوض في ذلك فإذا اعتقد التنزيه فلا حاجة إلى الخوض في ذلك والمخاطرة فيما لا ضرورة بل لا حاجة له إليه فإذا دعت الحاجة إلى التأويل لرد مبتدع ونحوه تأولوا حينئذ وعلى هذا يحمل ما جاء عن العلماء في هذا.

وقلت في اركان الإيمان ليس جميع من جاء بعد القرن الرابع يرى تأويل صفات الله تعالى تفصيليا بل يرى الكثير منهم أن الإمساك عن الخوض في صفات الله تعالى أسلم لأنه قول بالظن وقد لا يصيب به صاحبه الحق عند الله تعالى ثم تكلف لما لم نكلف به من الله تعالى وخوض فيما لم يخض فيه رسول اللهواصحابه رضوان الله عليهم.

نعم قد لا يكون مفر من التأويل التفصيلي عند مناقشة العامي وتعليمه إذ يعيش في مجتمع مادي أو مجسم للذات العلية أو مشبه لها بالخلق حينذاك يكون التأويل هو المقدم وحده فكأن التأويل التفصيلي علاج والعلاج إنما يعطى في حالات مرضية وإذا زال المرض ترك العلاج والله أعلم.

وما أحسن قول المجاهد الشهيد الشيخ محمد أديب الكيلاني رحمه الله تعالى في باب المتشابه من الصفات قال رحمه الله تعالى والخلاصة أن من لم يصرف اللفظ المتشابه آية كان أو حديثا عن ظاهره الموهم للتشبيه أو المحال فقد ضل ومن فسره تفسيرا بعيدا عن الحجة والبرهان قائما على الزيغ والبهتان فقد ضل كالباطنية وكل هؤلاء يقال فيهم إنهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة أما من يصرف المتشابه عن ظاهره بالحجة القاطعة لا طلبا للفتنة ولكن منعا لها وتثبيتا للناس على المعروف من دينهم وردا لهم إلى محكمات الكتاب القائمة فأولئك هم هادون ومهديون حقا وعلى ذلك درج السلف الأمة وخلفها وأئمتها وعلماؤها.

1- التأويل حق من أجل أن لا يقع المؤمن في متناقضات حين يقرأ من الآيات مثلا وأنموذجا من إضافة العين إليه سبحانه والأعين واليدين والأيدي وأنه في السماء وفي الأرض وهو مع خلقه أينما كانوا إلى غير ذلك فإنه إذا تركنا النصوص على ظاهرها وقعنا في التناقض وهو محال في القرآن الكريم ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ولكن حين ننزه الله تعالى حيال جميع تلك النصوص وأشباهها عن مشابهة خلقه ثم نكل معاني تلك النصوص إلى الله عز و جل نكون قد سلمنا من التناقض في الفهم وسلمنا القرآن الكريم من توهم أي تناقض فيه ثم سواء كان ألتأويل إجماليا أو تفصيليا فهو المخلص الوحيد من التناقض والتخالف في صفات الله تعالى وفي كتابه العظيم

2 – التأويل سواء كان إجماليا أو تفصيليا هو مسلك السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم وهم أعظم الناس فهما للإسلام بعد رسول الله.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: